الخميس ١٥ شعبان ١٤٤١ هـ المعادل لـ ٩ أبريل/ نيسان ٢٠٢٠ م
     
المنصور الهاشمي الخراساني
* تمّ إطلاق قسم «الدروس» الشامل لدروس العلامة المنصور الهاشمي الخراساني حفظه الله تعالى المرتكزة على القرآن والسنّة. * تمّ نشر الترجمة العربية لكتاب «العودة إلى الإسلام» أثر العلامة المنصور الهاشمي الخراساني حفظه الله تعالى.
loading
الرؤى
   
الرقم: ٦ كاتب المقالة: أبو هادي المالكي تاريخ المقالة: ١٤٤١/٦/٤
موضوع المقالة:

الخلافة في القرآن؛ نظرة مختصرة

بعد أن يخرج صاحب القلب السليم من ظلمة الجهل بالخالق إلى نور المعرفة بوجوده، يحصل له عدّة اعتقادات منها الإعتقاد بضرورة وجود الواسطة بين الخالق والمخلوق ليتمكّن المخلوق من معرفة ما يريده منه خالقه؛ لأنّها غير ممكنة بلا واسطة بينهما. فالإعتقاد بوجود الخالق يؤدّي إلى الإعتقاد بوجود الواسطة والإعتقاد بوجود الواسطة يتطلّب معرفتها؛ إذ لا يصحّ الإعتقاد بالشيء من دون معرفته. من هنا يُعلم أنّ كلّ من اعتقد بالخالق صار من واجبه معرفة من يكون الواسطة بينه وبين خالقه لمعرفة أوامره ونواهيه وهكذا الأمر في شأن كلّ من يؤمن بالخالق الكامل في كلّ الأزمان؛ لأنّ عدم تيسّر الواسطة في زمن من الأزمان ممّا يقابل ويخالف الإعتقاد بعدالة الخالق، مع أنّ عدالة الخالق لازمة كماله ولا كمال لمن لا عدالة له. لذلك إنّه جلّ وعلا لن يترك عباده من دون من يمثّله فيما بينهم وهذا مقتضى عدله وكماله وقد بان ذلك من قوله الذي قاله بمثابة قاعدة كلّيّة: «لِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ»[١] وهو تفصيل قوله تعالى: «وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ۖ قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ۖ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ»[٢]؛ إذ من الواضح أنّ لفظة «جاعل» التي هي اسم فاعلٍ لفعل «جعل» يراد منها الإستمرار بالجعل في كلّ الأزمان؛ فلو أراد سبحانه وتعالى جعل الخليفة لمرّة واحدة فقط لقال: «إنّي أجعل» أو «جعلت» ولكنّه قال: «إنّي جاعل» ليكون آدم عليه السلام أول خلفائه المجعولين مبيّناً فيه سنّته في استخلاف الأرض وهذا ما نبّه عليه سيّدنا المنصور حفظه اللّٰه تعالى حيث قال:

«لا يَزالُ اللّٰهُ يَجْعَلُ في الْأَرْضِ خَليفةً مُنْذُ قالَهُ وَلَوْ قالَ: <إنِّي أَجْعَلُ> لَكانَ مِنْهُ جَعْلٌ واحِدٌ ولكنَّهُ قالَ: <إنِّي جاعِلٌ> والْجاعِلُ مَنْ يَسْتَمِرُّ مِنْهُ الْجَعْلُ وكُلُّ خَليفةٍ لِلّهِ في الْأَرْضِ مَهديٌّ إِلىٰ ما خَلَقَ اللّٰهُ فيها لِيَضَعَهُ حَيْثُ يَشاءُ اللّٰهُ ومَنْ لَمْ يَهْتَدِ إِلىٰ مَهديِّ زَمانِهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً بَعيداً»[٣].

كما شرط اللّٰه في سنّته هذه شروطاً خاصّة غير تلك التي استفهمت بها الملائكة من الإفساد في الأرض وسفك الدماء؛ حيث أنّه سبحانه وتعالى قد بيّن أنّ خلفائه -في كلّ الأزمان- غير أولئك الذي يُحتمل منهم مبادرة الإفساد في الأرض وسفك الدماء ومن خلال هذه القيود تخرج البشرية كافّة -عدا المعصومين- من الإطلاق في لفظة الخليفة المذكورة في الآية الكريمة وهذا ما نبّه عليه سيّدنا المنصور حفظه اللّٰه تعالى حيث قال:

«إِنَّهُ لَمّا قالَ لِلْمَلائِكَةِ: <إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ۖ قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ>، فَعَلَّمَ آدَمَ أَسْماءَ خُلَفائِهِ فِي الْأَرْضِ كُلَّها لِيُنْبِأَ الْمَلائِكَةَ فَيَعْلَمُوا أَنَّهُ لا يَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفسِدُ فِيها ويَسْفِكُ الدِّماءَ خَلِيفَةً وَلٰكِنْ يَجْعَلُ النَّبِيينَ والصِّدِّيقِينَ والشُّهَدَاءَ والصَّالِحِينَ وحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقاً! <فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ>»[٤].

ويؤيّد ذلك قوله تعالى: «يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ»[٥]؛ إذ لا وجه لجعل داوود عليه السلام خليفةً بعد كونه من الآدميّين الذين توهّم البعض أنّ اللّٰه تعالى قد استخلفهم جميعاً في الأرض، بل ظاهر الآية يدلّ على حدث من الحال الحاضر وليس على الماضي؛ كما بيّن أنّ الغاية من استخلافه الخليفة في الأرض هي الحكم -بالحقّ- والدليل على ذلك لام التعليل التي اتصلت بالفعل «لتحكم» وعليه، فلا يجوز الحكم إلا لمن جعله اللّٰه خليفة في الأرض كداوود عليه السلام ويجب على الناس تمكينه من الحكم وبعد هذا البيان، صار من الواجب على كلّ مسلم أن يعرف خليفة اللّٰه تعالى في زمانه ويمهّد لحكمه؛ كما قال سيّدنا المنصور حفظه اللّٰه تعالى: «إِنَّ لِلَّهِ خَلِيفةً فِي الْأَرْضِ فَاعْرِفْهُ واسْتَمْسِكْ بِحُجْزَتِهِ»[٦] وخليفة زماننا هذا هو المهديّ الذي سمّاه رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه وآله وسلّم ووعده وبشّر بأنّه «يَمْلَأُ الْأَرْضَ عَدْلاً وَقِسْطاً كَمَا مُلِئَتْ ظُلْماً وَجَوْراً»[٧].

↑[١] . الرعد/ ٧
↑[٢] . البقرة/ ٣٠
↑[٥] . ص/ ٢٦
↑[٧] . أنظر: مصنّف ابن أبي شيبة، ج٨، ص٦٧٩؛ مسند أحمد، ج٣، ص١٧؛ سنن أبي داود، ج٢، ص٣٠٩؛ حديث خيثمة، ص٢٠٢؛ مستدرك الحاكم، ج٤، ص٤٤٢؛ صحيح ابن حبان، ج١٥، ص٢٣٨؛ المعجم الأوسط للطبراني، ج٩، ص١٧٦؛ المعجم الكبير للطبراني، ج١٠، ص١٣٤
الرؤى الأخرى لهذا الكاتب:
المشاركة
شارك هذا المحتوى مع أصدقائك.
البريد الإلكتروني
تلجرام
فيسبوك
تويتر
كتابة الرؤية
المستخدم العزيز! يمكنك كتابة المقالات، الرؤى، الخواطر والمذكرات حول آثار وأفكار حضرة العلامة المنصور الهاشمي الخرساني حفظه الله تعالى في الاستمارة أدناه وإرسالها لنا ليتمّ عرضها في هذا القسم.
انتباه: قد يتمّ عرض اسمك ككاتب الرأي في الموقع.
انتباه: نظراً إلى أنّ جوابنا سيرسل إلى بريدكم الالكتروني ولايظهر على الموقع لزوماً، من الضّروريّ إدخال العنوان الصحيح.
* أدخل كلمة المرور رجاء. Captcha loading
لا مانع من أيّ استخدام أو اقتباس من محتويات هذا الموقع مع ذكر المصدر.
×
هل ترغب في أن تصبح عضواً في النشرة الإخبارية؟